الرسّام في الضباب — فهم نماذج الانتشار عبر حكاية

قديمًا، في بلدة صغيرة متوارية بين جبال الشمال، كان هناك مكان يلفّه ضباب كثيف إلى الأبد، اسمه بايلان.

في بايلان عاش رسّام شابّ اسمه وو شنغ — «المولود من الضباب».

كانت لديه موهبة غريبة. الرسّامون الآخرون ينظرون أولًا إلى الشيء بوضوح، ثم يرسمونه ضربةً ضربة. أما هو فيعمل بالعكس — يحدّق في كتلة ضباب متدوّمة فيرى ببطء لوحةً تظهر.

ظنّ الناس ذلك سُخفًا. «كيف يكون في الضباب لوحة؟» لم يكن وو شنغ يفعل إلا أن يبتسم، ولا يشرح أبدًا.

الرسّام في الضباب والمكتبة على البحر

مكتبة على البحر

ذات يوم استدعاه حاكم البلدة العجوز. «أريد لوحةً لشيء لم يوجد قطّ: مكتبة تطفو على البحر، عند الغسق، وقمران في السماء.»

انفجرت الغرفة ضاحكةً. «لا وجود لمكان كهذا. كيف يرسمه أحد؟»

لكن وو شنغ أومأ ببساطة. «أستطيع.»

أخذ ورقةً بيضاء — وبدل أن يضع الفرشاة عليها، غطّى الورقة كلها بطلاء رمادي داكن فوضوي، كنافذة بعد عاصفة ثلجية. لم يكن شيء مرئيًّا. ازداد المتفرّجون حيرة. «أنت تُفسدها.»

أجاب وو شنغ: «اللوحة الحقيقية يجب أن تتعلّم الاختباء أولًا.»

في الأيام التالية، فعل شيئًا واحدًا فقط: محو قليل من الفوضى في كل مرة. لا دفعةً واحدة. لا بضربات كبيرة. قليلًا فحسب.

في يوم كشف بقعة ضوء خافتة. وفي التالي، امتداد ساحل. وبعده، إيحاءً برفوف كتب. ثم طفا قمران من الضباب. بدا وكأنه في تفاوض مع الضباب نفسه. لا يخلق، بل يسأل باستمرار: «ماذا كان يُفترض أن يكون هنا؟» حين كان يمحو خطأً، يُعيد النظر. وحين يبقى شيء غامضًا، يواصل المراقبة.

تسعة وأربعين يومًا.

في النهاية، حملت الورقة حقًّا مكتبةً تطفو على البحر. كان الماء ساكنًا. وصفحات الكتب تُقلَب. والغسق معلّق في السماء كنَفَس ذهبي. وقمران ينجرفان في البعيد.

من أين يأتي الضباب؟

ذُهلت البلدة. سأل أحدهم: «كيف فعلتها؟ بدأت من لا شيء.»

هزّ وو شنغ رأسه. «لا — بدأت من كل شيء. كان كله مختبئًا في الضباب فقط.»

ألحّ الحاكم: «إذن كيف عرفت ما الذي تمحوه؟»

أجاب وو شنغ: «لأنني سمعت الأسماء أولًا. مكتبة طافية. قمران. غسق. بحر. كانت الكلمات كأجراس بعيدة. تتبّعت الصوت عبر الضباب فوجدت الطريق.»

بعد سنوات تبنّى تلميذًا. درس الفتى طويلًا لكنه لم يستوعب قطّ. ظلّ يفكّر: أريد أن أرسم النتيجة مباشرةً.

فأخذه وو شنغ إلى قمّة الجبل. كان ضباب الصباح يتدحرج كثيفًا عبر المنحدرات.

«هل ترى البرج؟» سأل وو شنغ.

«لا،» قال التلميذ.

«إذن ألا يوجد؟»

صمت التلميذ.

قال وو شنغ: «الرسم كذلك. أنت لا تخلق عالمًا من العدم. بل تتحرّك، خطوةً خطوة، نحو أكثر العوالم معقوليةً داخل الفوضى. الرسم الحقيقي ليس وضع ضربات الفرشاة. بل إزالة الضوضاء.»

بعد سنوات، كان أهل بايلان لا يزالون يتحدّثون عنه. قالوا: لم يكن يرسم إطلاقًا. كان يُعلّم العالم كيف يُنبت النظام ببطء من الفوضى.


الفكرة الحقيقية: نماذج الانتشار

تنطبق هذه القصّة كلها على المبدأ الجوهري وراء توليد الصور الحديث بالذكاء الاصطناعي — نموذج الانتشار (diffusion model).

تعتمد Stable Diffusion و Midjourney ونموذج GPT Image 2 الذي يُشغّل هذا الموقع كلها بشدّة على هذه الفكرة.

في جملة واحدة:

النموذج لا يرسم من الصفر. بل يبدأ بضوضاء عشوائية محضة ويُزيل الضوضاء خطوةً خطوة، حتى تظهر صورة.

تمامًا كوو شنغ: غطِّ الورقة بالفوضى أولًا (ضوضاء محضة)، ثم امحُ قليلًا في كل مرة (إزالة تدريجية للضوضاء)، حتى تنكشف اللوحة.

التدريب: تعليم النموذج كيف يُزيل الضوضاء

التدريب: الانتشار الأمامي يُضيف ضوضاء؛ والنموذج يتعلّم عكسها

في التدريب، يتعلّم النموذج بهذه الطريقة.

الخطوة 1: خُذ صورة حقيقية — لنقُل قطّة.

الخطوة 2: أضِف إليها ضوضاء، مرارًا:

  • الخطوة 1: القطّة لا تزال واضحة
  • الخطوة 100: تبدأ بالضبابية
  • الخطوة 500: بالكاد مرئية
  • الخطوة 1000: تشويش تلفاز عشوائي محض

الخطوة 3: درّب النموذج على الإجابة: «إن بدت بهذه الفوضى الآن، فكيف بدت الصورة الأصلية على الأرجح؟»

أي تعلّم العملية العكسية: من الفوضى ← الوضوح.

هذا هو جوهرها.

التوليد: رسم صورة فعلًا

التوليد: انطلاقًا من ضوضاء محضة، ينحت النموذج الصورة

عند توليد صورة فعلًا، لا يملك النموذج صورةً يبدأ منها. لديه فقط كتلة ضوضاء عشوائية، وأمر:

قطّة برتقالية ترتدي خوذة رائد فضاء، ترتشف القهوة على القمر.

فيبدأ:

  • الخطوة 1: إزالة ضوضاء طفيفة
  • الخطوة 30: تظهر صورة ظلّية لقطّة
  • الخطوة 80: تظهر الخوذة
  • الخطوة 150: تتشكّل خلفية القمر
  • الخطوة 300: تستقرّ التفاصيل

وتُولَد الصورة.

لماذا يستطيع النص توجيه الصورة؟

التوليد المشروط: النص يوجّه كل خطوة إزالة ضوضاء

لأن هناك وحدة أساسية أخرى: مُرمِّز النص (Text Encoder).

يحوّل «قطّة برتقالية + رائد فضاء + قمر + قهوة» إلى متجه من الأرقام (إشارة تكييف)، وخلال كل خطوة إزالة ضوضاء يظلّ يُذكّر النموذج:

  • «لا تنسَ — قطّة برتقالية، لا سوداء.»
  • «على القمر، لا في مطبخ.»

يُسمّى هذا التوليد المشروط (Conditional Generation).

لماذا تغلّب الانتشار على شبكات GAN؟

الانتشار مقابل GAN: الثبات، التحكّم، الجودة، التوسّع

اعتمدت مولّدات الصور الأقدم بالذكاء الاصطناعي على شبكات GAN (الشبكات التوليدية التخاصمية). لكن GAN كانت سيّئة الاستقرار بشكل مشهور، وعُرضة لانهيار الأنماط، وصعبة التدريب، ومحدودة التنوّع.

أما الانتشار فأكثر استقرارًا، وأكثر قابلية للتحكّم، وأعلى جودة، ويتوسّع أفضل إلى نماذج كبيرة. ولهذا أصبح بهدوء الافتراضي للعصر الحديث.

الحقيقة في جملة واحدة

توليد الصور بالذكاء الاصطناعي ليس «خلقًا». بل هو:

البحث عن النتيجة التي تبدو أشبه ما تكون بصورة داخل فضاء احتمالي.

إنه أشبه بالسؤال، مرّةً بعد مرّة، داخل فوضى لا نهائية: «ما أكثر الخطوات التالية معقوليةً هنا؟»

هذه أعمق فكرة في الذكاء الاصطناعي التوليدي الحديث.

imagesv2

imagesv2